وفي العجز بعض الفوائد..

 

 

لماذا لم تحمل موازنة العام الحالي زيادة كبيرة في الانفاق على التعليم والصحة وفي دعم المزارعين، أحد أهم القطاعات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية؟ ولماذا لن يشهد الحد الأدنى للدخل زيادة سنوية، كما وُعد الموظفون في العام الماضي؟ ولماذا بقيت أجور المؤسسات السيادية من أسرار قدس الأقداس؟ تكمن الإجابات في الطريقة التي أعدت بها الموازنة وفي المعتقدات الاقتصادية لواضعيها. إلى شيطان التفاصيل.

 

 

يصر المجلس العسكري أن يتبع خطى يوسف بطرس غالي. لذلك جاءت موازنة العام 2012-2013 (والتي أقرها عن طريق مسار غير ديمقراطي -انظر الموضوع اللاحق) مستهدفة تقليص عجز الموازنة العامة. أي تهدف لتقليص الفرق بين ما تحصل عليه خزانة الدولة من موارد وما تدفعه من التزامات. وهو هدف يبدو جميلا، إذ في المخزون الثقافي المصري لا أحد ينبغي أن يعيش فوق موارده وقد تربينا على أن السلف تلف والرد خسارة، وأنه من  الأفضل مد اللحاف بقدر الرجلين.

وهكذا، باستخدام كل الطرق التقليدية لضغط المصروفات وتنشيط الإيرادات سينخفض عجز الموازنة من حوالي 9% إلى 7,9% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أنه سيبقى عجز قيمته 140 مليار جنيها، تغطيه الدولة عادة من الاستدانة من البنوك عن طريق بيعهم أذون الخزانة. طيب، ما مشكلة العجز وما عيوبه؟

يعرف عجز الموازنة في مصر على أنه “عجز هيكلي” أي ناتج عن خلل دائم ومستمر لسنوات طويلة في هيكل الموارد المالية للدولة، وكذلك هيكل النفقات الذي دائما ما وصفه بطرس غالي وزير المالية السابق بالجمود. وهو وضع أدى إلى أن توجه الحكومة خمس إنفاقها كل عام (وهو مبلغ يزيد باضطراد) لسداد الديون المتراكمة الناتجة عن هذا العجز. ورغم كل الحرص على تقليص العجز، ارتفعت مدفوعات الفوائد ارتفاعا قياسيا عن العام السابق ب27% إلى 133,6 مليار جنيه للعام 2012-2013. وكأن العجز كلما حاصرته حاصرك وشل قدرتك أكثر على الحركة.

فقد كانت تأمل الحكومات المتعاقبة منذ أزمنة مبارك أن تخفض العجز، لكي ينخفض الدين العام لتتحرر بعض الموارد فيزيد الإنفاق على التعليم والصحة اللازمين للتنمية. ولكن لا يحدث هذا أبدا. والنتيجة هي تأجيل أهداف التنمية والعدالة إلى أجل غير مسمى، طالما بقيت تلك الأهداف دالة في متغيري العجز والدين.  

ففي العام المالي الحالي ستظل الصحة تستحوذ على أقل من خمسة بالمائة من اجمالي الإنفاق، وهو ما يقوض من فرصة تحقيق هدف الرئيس المنتخب بأن يرفع تلك النسبة على مدى أربع سنوات إلى 15%. كما بقي التعليم عند حدود 12% أي مستوى العام لأخير قبل الثورة، بعد أن خفضه العسكري إلى 10% في 2011-2012 في محاولة لتخفيض العجز. وينتقد خالد أمين، المتخصص في السياسات العامة هذا الاتجاه. “كان ذلك مقبولا في العام الأول بعد الثورة على أسا أنها سنة انتقالية. ولكن يجب الاهتمام بأسرع وقت بهذين القطاعين.”

وفي العام الحالي، من أجل خفض العجز، قررت الحكومة غير المنتخبة أن تلزم الحكومة المنتخبة برفع أسعار الطاقة. وهي خطوة لم يستطع القيام بها أكثر الحكومات الليبرالية توحشا، أي حكومتي أحمد نظيف. المشكلة أن تخفيضا في دعم الطاقة يبلغ 27 مليار جنيها كما تقترح الموازنة قد يؤدي إلى التهاب في الأسعار، مما يؤذي قطاعات عريضة من المصريين، كما تحذر المبادرة المصرية للخقوق الشخصية والاقتصادية في تقريرها الصادر في يوليو. وسيعتمد الأمر على توجهات الحكومة الجديدة ومدى خضوعها لتوازنات القوى في تحديد من المتضرر من تخفيض الدعم.

ففي 2005، تم الإبقاء على أسعار الطاقة المستخدمة في الفنادق والمصانع المحتكرة للأسمنت والحديد والأسمدة، بينما تم رفع أسعار بنزين 80، 90 وكذلك السولار دافعين التضخم إلى ما فوق العشرين بالمائة، مما أفقر ملايين المصريين. وفي كل الأحوال، نص البرنامج الانتخابي لمحمد مرسي على تخفيض عجز الموازنة إلى نصف مستواه الحالي في أربع سنوات، مما يوحي بأنه يمشي على نفس نهج مبارك ومن بعده العسكر الذين بدوا صارمين في هذا الأمر، كما سبق وحدث هذا في العام الماضي.

في مارس الماضي، خاض المجلس العسكري معركة لم تعرف تفاصيلها بعد مع وزير المالية الاسبق سمير رضوان، والذي حاول أن يحرر الموازنة العامة من أسر خرافة تقليص العجز، كي يحقق أهدافا أخرى يراها أهم من حيث العدالة الاجتماعية والتنمية. ففي النظرية الاقتصادية ينبغي أحيانا التضحية بعجز الموازنة من أجل دفع عجلة النمو.

ففي أوقات التقلبات السياسية والركود الاقتصادي، يخاف القطاع الخاص من الدخول في مشروعات جديدة أو التوسع في مشروعاته القائمة. وهنا على الدولة أن تتدخل عن طريق ضخ استثمارات عامة، تمول من موارد الدولة أو الاقتراض. فذلك من شأنه أن يرفع معدلات النمو والتوظيف، كما يشجع القطاع الخاص ومن ثم يستعيد الاقتصاد عافيته بسرعة. كان هذا ما فكر فيه رضوان، ولأول مرة في تاريخ صندوق النقد الدولي يوافق على اقراض دولة وفقا لبرنامج توسعي، يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة. خاصة أنه تعهد بتخفيض تدريجي في العجز جراء حزمة ضائب جديدة تفرض على الشرائح العليا من الأرباح والدخول، وهو ما من شأنه تقليل الفوارق بين الدخول.

ولكن، وقف المجلس العسكري بحسم رافضا هذا التصور، وألزم الوزير بتخفيض الاستثمارات العامة بأكثر من أربعين مليار جنيها كان ينوي توجيهها إلى التعليم والزراعة والإسكان، ليبقى العجز في نفس معدلاته السابقة على الثورة، وهو ما أدى إلى تراجع عنيف في النمو إلى ما دون 2%، وارتفاع البطالة إلى ما يناهز 12%. وفي العام الحالي، لم يتعلم أحد الدرس: أن في العجز بعض الفوائد، مثل تحسين التعليم والصحة وتقليص البطالة، بشرط أن يتم توجيه الإنفاق إلى هذه القطاعات.

نشرت هذه المقالة في مجلة السياسي الاسبوعية، عدد ١اغسطس.

نُشرت بواسطة

من ناحية أخرى

Egyptian Journalist. Interested in economic policies that make people's life easier, richer and healthier. أنا صحفية من مصر. غير منتمية لأي حزب. أحب أن أرى الأمور بنظارتي وأخشى أن تتلون بلون مدرسة فكرية واحدة. وأحب كل انسان ينتصر للضعيف ويبكي على المقهور أيا كان إنتماوه. يصفني أصدقائي بأني يسارية الهوى بدون أن أدري. وأرد مداعبة لهم كيف أكون يسارية وأنا أحب عددا من رجال الأعمال؟ والحق أني دائما منحازة للطرف الأضعف (حتي في مباريات الكرة) وللحق الإنساني في الحياة السعيدة الآمنة. أتمنى أن يحشرني الله مع الفقراء، إن لم نستطع في الدنيا أن نعدل المائلة فلا يعود هناك فقراء. متفائلة كالأرض، فكما قال فؤاد حداد: الأرض صنعتها الأمل والبشاير.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s