القروض: كثير من السياسة.. قليل من الاقتصاد

Image

 

من لسعته الشُربة ينفخ في الزبادي.. هكذا فهم مبارك لعبة السياسة المقترنة بالاقتراض الخارجي. كان ذلك في نهاية الثمانينات، عندما كانت مصر تعاني من ركود اقتصادي  خانق ومثل غيرها الكثير من دول العالم الثالث التي تعثرت في سد اد قروضها الخارجية، كانت مصر يشق عليها سداد تلك الالتزامات. وظل الوضع مترديا على حافة الهاوية حتى عام 1990، عندما أرادت الولايات المتحدة إشراك مصر في التحالف الدولي تحت لافتة “تحرير الكويت”، والذي كان الهدف الحقيقي منه هو إرساء قوات الدول الغربية الكبرى حول منابع النفط، لضمان تأمين احتياجاتها في منطقة تموج بالصراعات السياسية. فكانت ورطة مصر في سداد قروضها الخارجية هو مدخل لإقناعها –أو بالأحرى الضغط عليها- للاشتراك في خطوة من شأنها تقويض أمنها القومي. فماذا فعل مبارك وقتها؟

قبل مبارك العرض: إسقاط ثلث القروض العسكرية مع إعادة جدولة القروض الأخرى على 25 عاما، وشملت المكافأة الغربية أيضا قرضا جديدا من صندوق النقد الدولي مصحوبا بتعهد مصري باجراءات قاسية مثل تقليص الدعم وخفض الانفاق على التعليم والصحة وخفض الاستثمار الحكومي وبيع مصانع القطاع العام بالإضافة إلى زيادة الضرائب على محدودي الدخل. كانت مصر قد رفضت تطبيق تلك الحزمة الغاشمة من الاجراءات مرتين  في عهد السادات، كان آخرها هو في 1978 عندما فشل السادات في تخفيض الدعم ورفع أسعار الخبز على إثر مظاهرات شعبية جارفة (مثلما حدث في الأردن الأسبوع الماضي). ولهذا في بداية التسعينات، اعتبر الصندوق مبارك بطل الإصلاح. وتوالت الشهادات الدولية بشطارة حكومة عاطف صدقي وحكمتها الاقتصادية. فهل كان ذلك فعلا كذلك؟

لم يتحدث الصندوق والبنك عن جانب المتضررين من برنامجهما. فقد كانت نتيجته بحسب دراسات أجرتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، هو إفقار ملايين من المصريين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، بالإضافة إلى تفاوت توزيع الدخول بين طبقات المصريين وتآكل الطبقة الوسطى، بل وتقويض الصناعة المصرية. كما لم يحاسب الحكومة ولا نفسه على أن الاقتصاد المصري بعد ثلاثة سنوات من التقشف لم يستطع أن يحقق نموا مرتفعا ولاتشغيلا للعاطلين. وما لبث الانجاز الوحيد للصندوق -وهو خفض عجز الموازنة- أن تآكل وبدأ العجزيعاود الارتفاع الصاروخي. فهل تعلمون من أقنع الحكومة المصرية وقتها بقبول هذا القرض؟

كان عراب هذا الاتفاق والمفاوض الرئيس من الجانب المصري هو وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي –العائد وقتها من وظيفته في صندوق النقد والمنضم إلى الحكومة. المفاوضات اقتصادية بحتة حول برنامج اقتصادي لاصلاح الاقتصاد. لكن هل يمكن نزع حصول مصر على قرض الصندوق عن نسقه السياسي؟ لم يقرأ مبارك كتبا مثل “تاريخ النهب الاستعماري لمصر” ولا “الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية”. ومع ذلك لم يستطع حتى مبارك –الحامي الأول لمصالح أمريكا في الشرق الأوسط- تجاهل هذا السؤال. ومن هنا رفض كل إغراءات يوسف بطرس غالي عن قرض جديد من الصندوق حتى رحيله مخلوعا العام الماضي.

تعلم نظام مبارك بالتجربة المباشرة –لا بقراءة التاريخ- أن الدين مذلة. ومن ساعتها وضع سقفا للاقتراض الخارجي. أما عن تركة الديون التي ورثها وعجز عن سدادها فقد تراكمت وقت رئيسه السادات، أيضا لأسباب فيها من السياسة أكثر من الاقتصاد.

بعد أن وقعت مصر اتفاقية السلام مع اسرائيل كان يجب أن يحس المصريون “بالرخاء الموعود بعد أن انتهى زمن الحروب”، كما صور لنا السادات. لكن كان أيضا من مصلحة الدول الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة أن تضمن ولاء مصر واستمرارها في المعاهدة، فكان أن تم استدراجها إلى فخ المعونات والقروض الخارجية. وانهالت “المساعدات” وقتها من صناديق تابعة للسعودية وقطر والكويت والبنك والصندوق الدوليين بل ومن إيران–الشاه ومن أمريكا مباشرة. ويشرح لنا العديد من الاقتصاديين آلية عمل هذا الفخ.

يرصد عادل حسين في “الاقتصاد المصري من الاستقلال للتبعية” كيف تضاعفت القروض بعد التقارب المصري الأمريكي في عهد السادات، وكيف أنها وصفت زورا بقروض سهلة السداد منخفضة الأعباء. فقد استخدم الاقتصاديان الراحلان حسين ورمزي زكي معادلات حسابية توضح التكلفة الحقيقية لهذه الديون. أتوجد تكلفة شكلية وأخرى حقيقية؟ نعم لكن ليس بالمعنى الذي أشيع مؤخرا في رفض قرض الصندوق لمصر.

فوفقا لجدول أعده حسين، إذا أدخلنا في تكلفة القرض منافذ الإنفاق إلى جانب شروط السداد، فإن ديون السبعينات تنقسم إلى سهلة وصعبة وأشد صعوبة. وهكذا بتدقيق القروض اليابانية والأوربية لمصر كان ثلثها فقط هو ما ينطبق عليه ديونا سهلة.

ويثبت حسين على سبيل المثال أنه في حالة القروض الأمريكية السلعية والزراعية، مايقرب من 9 دولارات من كل عشرة مقترضين من أمريكا تم تخصيصها لاستيراد سلع أمريكية –أي أنها كانت وسيلة لزيادة مبيعات المنتجين الأمريكيين في السوق المصري. وهكذا، مع تدفق “المساعدات” قفزت الولايات المتحدة في أقل من أربع سنوات إلى موقع المورد الأول للسوق المصري.

يعلمنا التاريخ أنه مع كل محاولة لمصر أن تتبع مسارا سياسيا وتنمويا مستقلا عن القوى العالمية الكبرى، زادت عليها الضغوط من أجل إعادتها إلى الحظيرة. وفي لحظتنا هذه، لا شك أن الثورة فتحت نافذة ضوء وبراح لإعادة التفكير في هذا النمط من تبعية القرار الاقتصادي والسياسي. وفي رأيي أن هناك هوامش من المناورة – اتخذتها دول صاعدة كثيرة- لا تجعلنا في مواجهة عنيفة مع مصالح كبارات الحظيرة. كما أن العديد من السياسات الاقتصادية البديلة المقترحة لها ما يساندها في الفكر الاقتصادي الرأسمالي. وعلى نقيض سهولة البدائل، معركة تنفيذها صعبة صعبة.

وتنبع صعوبة المعركة أولا: خارجيا، في قوة الخصوم الاقتصادية والنفوذ الرهيب لآلتهم الدعائية. (فكم سمعنا أخبارا عن انهيار الاقتصاد المصري طوال 18 شهرا متصلين (آخرها كان هذا الأسبوع على يد وزير المالية الحالي والذي أعلن عن عجز قياسي في الموازنة احباطا لمطالبات المعلمين بحقهم في أجر عادل).  ثانيا: محليا، بسبب الابتزاز الذي تمارسه الرأسمالية الاقتصادية، والمرتبطة أعمالها في معظمها بالشركات العالمية الكبرى. تلك الطبقة من كبار المنتجين المحليين التي ترعرعت في عهد فساد واستبداد، أمَن لهم نموهم وأرباحهم الخيالية، على حساب صغار المنتجين. وهؤلاء القلة الكبار هم ألد أعداء تلك الإجراءات الإصلاحية التي قد تؤثر في مستوى أرباحهم على الأجل القصير. ويبقى لخوض المعركة مع هؤلاء أن يتم تقدير حجم قوتهم الاقتصادية والقطاعات التي يتحكمون فيها حتى يمكن إدارة معركة ناجحة معهم.. ولكن لهذا حديث آخر.

*نشرت المقالة في جريدة الشروق في 16-9-2012

نُشرت بواسطة

من ناحية أخرى

Egyptian Journalist. Interested in economic policies that make people's life easier, richer and healthier. أنا صحفية من مصر. غير منتمية لأي حزب. أحب أن أرى الأمور بنظارتي وأخشى أن تتلون بلون مدرسة فكرية واحدة. وأحب كل انسان ينتصر للضعيف ويبكي على المقهور أيا كان إنتماوه. يصفني أصدقائي بأني يسارية الهوى بدون أن أدري. وأرد مداعبة لهم كيف أكون يسارية وأنا أحب عددا من رجال الأعمال؟ والحق أني دائما منحازة للطرف الأضعف (حتي في مباريات الكرة) وللحق الإنساني في الحياة السعيدة الآمنة. أتمنى أن يحشرني الله مع الفقراء، إن لم نستطع في الدنيا أن نعدل المائلة فلا يعود هناك فقراء. متفائلة كالأرض، فكما قال فؤاد حداد: الأرض صنعتها الأمل والبشاير.

رأي واحد على “القروض: كثير من السياسة.. قليل من الاقتصاد”

  1. مقالة جميلة يا سلمى ………….. وبها العديد من الأفكار التى يجب تأملها وإعادة النظر فيها والتفكير بشأنها ……. بالتوفيق دوماً …. خاصة واننى متابع جيد لمقالاتك الممتعة الثرية ………….

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s