اقتراح لمعضلة “لا”

إذا كنت تدبرت في مشروع الدستور فأنت بلا شك لديك ما تتحفظ عليه من حيث المبدأ على طريقة الاستبعاد وتكوين الجمعية التأسيسية. كما تتحفظ على عدد من المواد المطاطة أو المبهمة التي تفتح الباب لتأويلات معادية لفكرة دولة ديمقراطية حديثة. وإذا كنت لم تقرأه وتتابع الفضائيات غير الاسلامية، فأنت بلا شك قد تكون لديك انطباع أن هذا الدستور ليس معبرا عن طموحات الثورة. فرغم أن مواد الحريات الشخصية جيدة، إلا أن هناك عدد من المواد تقوض منها. كما أن لا مكان للعدالة الاجتماعية في هذا النص الماثل أمامنا.

ونظرا لطبيعة قضايا الدستور، ومع كثرة اللغط والضبابية، سيمتنع نسبة معتبرة من الناس عن النزول إلى الاستفتاء، وهذا ينطبق على المعسكرين -الممانعة والموالاة للرئيس- على السواء.

في كل الأحوال، … وليس بالضرورة للأسباب السليمة سياسيا، سيحشد الإسلاميون جماهيرهم للتصويت بنعم.

ولكن بالرغم من الحشد من قبل أحزاب الموالاة، فلم تكن “لا” للدستور أقرب إلى الواقع أكثر من اليوم. فبحسبة بسيطة، كل من صوت لشفيق في انتخابات الرئاسة  سوف يصوت بلا في الاستفتاء القادم. وهم في الواقع أكثر من فريق: أنصار النظام السابق وهم أقلية، ومن لا يطيقون الحكم الإسلامي لدرجة أنهم يفضلون عليه العمى، وهم أيضا أقلية، ومن تم تخويفهم قيل الانتخابات من الإسلاميين عبر الفضائيات. في حين أن من صوت لمرسي فثلثهم على الأقل اختار مرسي ليس افتتانا بشخصه ولا إيمانا بمشروع الإخوان المسلمين، ولكن لأنهم رأوه ممثلا للثورة في وجه من يعادي الثورة. وهؤلاء سوف ينضمون لمعسكر ال”لا”. أضف إلى ذلك من أبطل صوته رفضا لمبدأ “اعصر على نفسك ليمونة وانتخب مرسي”، وهؤلاء قارب عددهم 800 ألف صوت باطل. كما قد يعضد صحة تلك الحسبة عامل آخر.

فإذا أضفنا إلى حسبتنا تلك ما أظهره تحليل بيانات الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، زدنا تأكدنا من احتمالية “لا” للدستور. فوفقا لموقع أهرام أون لاين باللغة الإنجليزية، فنسبة التصويت لكل المرشحين المنتمين للتيارات الإسلامية المختلفة (مرسي والعوا وأبو الفتوح) بلغ 40% فقط من إجمالي التصويت. في حين حصل مرشحو التيارات غير الإسلامية، يسارية وليبرالية وفلول على 60%. إذن إذا قلنا أن الاستقطاب الاسلامي- غير الاسلامي مع الأسف على أشده، فإن تلك النسبة ستتكرر في حالة الاستفتاء على الدستور. أقول قولي هذا وأستنكر أن يضطر الناس إلى التصويت بلا.

أولا، لأنه أول دستور ديمقراطي بعد ثورة شعبية عظيمة، وكان الأحرى أن يعتري معظم من شارك في الثورة، وهم بعشرات الملايين، الفخر بقبوله. ومع أهمية هذا السبب العاطفي الذي أفسده علينا من أصر على تشكيل غير ملون للجمعية التأسيسية، لكن لدي سبب أهم  لتخوفي من “لا”.

رفض الدستور ينطوي على تمديد للفترة الانتقالية وغياب طويل للبرلمان وبقاء السلطات متركزة في يد رئيس الجمهورية. فهذا في الواقع هو أنسب مناخ لمؤامرات كل من من مصلحتهم الإبقاء على مزايا اغتصبوها عن طريق نظام مبارك، سواء بقوا في مؤسساتهم أم لم يبقوا، سواء كانوا مصريين أو غيرهم. ولنا في دماء سالت في فترة حكم العسكر عبرة.

فقد مات من مات بعد رحيل مبارك، وهم من خيرة رجال البلد برصاص قناصة مجهولين، وتورط المجلس العسكري في جر الجيش إلى خط المواجهة مع الشعب فخسر العسكر احترام الشارع فرحلوا غير مأسوف عليهم. وبعد العسكر، تم مؤخرا استدراج الرئيس المنتخب إلى نفس النمط من المواجهات، وعلى نفس النمط السابق، تم توريط رجاله في مواجهات دامية مات فيها من الطرفين أيضا من مات برصاص قناصة مجهولين، معرضين البلاد لأبشع حالة انتقام وغضب لا يؤمن عقباها. وقد انفض من حول مؤسسة الرئاسة كل من يحظى بالتقدير والاحترام من خارج جماعة الإخوان، بل واستقال نائب رئيس الحرية والعدالة لينؤوا بأنفسهم عن شبهة إراقة الدم واعتراضا على استبعادهم من دائرة صنع القرار. فهل يمكن استخدام الاستفتاء على الدستور لرأب الشقة بدلا من  توسيعها؟

مع الأسف، ينص الإعلان الدستوري الأخير على أنه إذا تم رفض الدستور، فسوف يتم انتخاب جمعية تأسيسية جديدة مباشرة من الشعب لتضع دستورا جديدا. في اعتقادي هذا هو بالضبط أسوأ سيناريو: تمديد الفترة الانتقالية لعامين آخرين وجولة انتخابات جديدة مكلفة ومرهقة ومزيد من العطلة ووقف الحال (وهل نضمن بالمقابل تمثيلا أفضل؟). وخلال تلك الفترة سيظل الرئيس يصدر مزيدا من القوانين غير الشعبية ويفرض الضرائب على الفقراء ويقترض من صندوق النقد وأضعاف مضاعفة من غيره بدون الرجوع للشعب. هذه هي عيوب رفض الدستور. ولكن هنا يقفز السؤال الوجيه، كيف نقبل دستورا به من المواد ما يخيف ويؤذي ويعتدي على حقوق الأقليات والفقراء؟ هذا هو اقتراحي:

تتركز أشد الاعتراضات في عدد من المواد في حدود 10-15 مادة من أصل 236 مادة. اقترح نائب رئيس الجمهورية محمود مكي أن يتقدم بها المعارضون للبرلمان المنتخب القادم لتغييرها، في إشارة ضمنية أنه يرى منطقا في تغييرها. وأقترح أن يتم التفاوض مع مؤسسة الرئاسة على التصويت بنعم في مقابل أن يتم تعديل تلك المواد قبل الاستفتاء. أو أن يستخدم الرئيس محمد مرسي مادة من التعديلات التي استحدثتها لجنة المستشار طارق البشري في فبراير 2011 واستفتي الشعب عليها وقبلها بأغلبية محترمة، ثم لم يضعها المجلس العسكري في الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2011!

 هذه المادة تتيح لرئيس الجمهورية الحق في تعديل الدستور (نص المادة يوحي بأن هذا بعد إقراره، لكنه لا يصرح بهذا) ويكون ذلك بعد موافقة ثلث البرلمان، وبما أنه يملك السلطة التشريعية في غياب الرلمان، فالطريق أقصر للتغيير) بعد طرحه للاستفتاء العام. ولا يوجد ما ينص على عدم تعديله قبل الاستفتاء عليه. لأن الأصل هو البحث عن التوافق حتى آخر لحظة. فإذا أعلن الرئيس قبل الاستفتاء نص المواد المعدلة قبل الاستفتاء، هكذا سيقبل من انصرف عن الدستور، ويأمن من خاف وتلتئم أصداع جبهة الثورة، وتتمايز عن الفلول، ويحظى الدستور بالقبول وتقترب نهاية الفترة الانتقالية.

نُشرت بواسطة

من ناحية أخرى

Egyptian Journalist. Interested in economic policies that make people's life easier, richer and healthier. أنا صحفية من مصر. غير منتمية لأي حزب. أحب أن أرى الأمور بنظارتي وأخشى أن تتلون بلون مدرسة فكرية واحدة. وأحب كل انسان ينتصر للضعيف ويبكي على المقهور أيا كان إنتماوه. يصفني أصدقائي بأني يسارية الهوى بدون أن أدري. وأرد مداعبة لهم كيف أكون يسارية وأنا أحب عددا من رجال الأعمال؟ والحق أني دائما منحازة للطرف الأضعف (حتي في مباريات الكرة) وللحق الإنساني في الحياة السعيدة الآمنة. أتمنى أن يحشرني الله مع الفقراء، إن لم نستطع في الدنيا أن نعدل المائلة فلا يعود هناك فقراء. متفائلة كالأرض، فكما قال فؤاد حداد: الأرض صنعتها الأمل والبشاير.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s